عد تعارض المصالح من المسائل القانونية المهمة التي قد تظهر داخل الشركات السعودية، خصوصًا عندما يكون للمدير أو عضو مجلس الإدارة أو أحد أصحاب القرار مصلحة شخصية، مباشرة أو غير مباشرة، في عقد أو معاملة تبرمها الشركة.
وتكمن خطورة تعارض المصالح في أن القرار الذي يبدو تجاريًا طبيعيًا قد يخفي وراءه منفعة خاصة لأحد المسؤولين، أو قد يؤدي إلى تفضيل طرف على حساب مصلحة الشركة أو الشركاء والمساهمين. ولهذا وضع نظام الشركات السعودي أحكامًا واضحة لتنظيم هذه الحالات، إلى جانب الضوابط التي تحددها اللائحة التنفيذية.
وقد بدأ سريان نظام الشركات الجديد ولائحته التنفيذية في 19 يناير 2023، وأكدت وزارة التجارة أن أحكام تعارض المصالح والمنافسة واستغلال أصول الشركة من الأحكام التي يتعين على الشركات الالتزام بها.
ماذا يقول نظام الشركات السعودي عن تعارض المصالح؟
نصت المادة السابعة والعشرون من نظام الشركات على أنه لا يجوز لمدير الشركة أو عضو مجلس إدارتها أن تكون له مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في الأعمال والعقود التي تتم لحساب الشركة، إلا بترخيص من الشركاء أو الجمعية العامة أو المساهمين أو من يفوضونه، بحسب الحالة.
كما نظم النظام مسألة المنافسة واستغلال أصول الشركة ومعلوماتها والفرص الاستثمارية التي تعرض على المسؤول بسبب منصبه.
وهذا يعني أن المسؤول الإداري لا يستطيع استخدام موقعه داخل الشركة للحصول على فرصة استثمارية أو منفعة خاصة كانت متاحة له بسبب منصبه، ثم التعامل معها باعتبارها فرصة شخصية مستقلة عن الشركة.
ويضع النظام كذلك ضوابط وإجراءات للتعامل مع هذه الحالات، بما يحقق التوازن بين حماية الشركة والسماح لها بممارسة أعمالها بصورة عملية.
ما الفرق بين المصلحة المباشرة والمصلحة غير المباشرة؟
من المهم التمييز بين نوعي المصلحة؛ لأن تعارض المصالح لا يقتصر على الحالات التي يكون فيها المدير أو عضو مجلس الإدارة طرفًا مباشرًا في العقد.
المصلحة المباشرة
تكون المصلحة مباشرة عندما تكون للشخص نفسه منفعة واضحة من المعاملة التي تبرمها الشركة.
ومن الأمثلة على ذلك أن تكون الشركة بصدد شراء عقار، ويكون العقار مملوكًا لعضو مجلس الإدارة الذي يشارك في اتخاذ قرار الشراء.
في هذه الحالة تكون العلاقة واضحة، لأن الشخص الذي يشارك في القرار لديه مصلحة مالية مباشرة في إتمام الصفقة.
المصلحة غير المباشرة
المصلحة غير المباشرة أكثر تعقيدًا؛ لأنها قد لا تظهر من ظاهر العقد.
وقد أوضحت اللائحة التنفيذية لنظام الشركات أن المصلحة غير المباشرة لعضو مجلس الإدارة يمكن أن تتحقق عندما تعود الأعمال أو العقود التي تتم لحساب الشركة بفوائد مالية أو غير مالية على فئات محددة، ومن بينها أقارب عضو مجلس الإدارة أو بعض الشركات التي يكون له أو لأقاربه فيها مصلحة.
ولهذا يجب ألا تقتصر عملية فحص تعارض المصالح على اسم المدير أو عضو مجلس الإدارة الوارد في العقد، بل ينبغي النظر إلى العلاقات والملكية والمصالح المرتبطة به وفق الأحكام النظامية.
متى يجب الإفصاح عن تعارض المصالح؟
عندما تكون هناك مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في عمل أو عقد يتم لحساب الشركة، يجب التعامل معها وفق إجراءات الإفصاح والترخيص المنصوص عليها في النظام واللائحة التنفيذية.
ويهدف الإفصاح إلى جعل المصلحة واضحة أمام الجهة التي تملك صلاحية الترخيص، بدل أن يبقى القرار مبنيًا على معلومات غير مكتملة.
وقد وضعت وزارة التجارة نماذج استرشادية خاصة بتعارض المصالح، تشمل نماذج الإفصاح والترخيص بالنسبة إلى بعض أشكال الشركات، ومن بينها الشركة ذات المسؤولية المحدودة وشركات المساهمة والمساهمة المبسطة.
وهذا يعكس أهمية التعامل مع تعارض المصالح من خلال إجراءات منظمة وقابلة للتوثيق، وليس بمجرد اتفاق شفهي بين الأطراف.
هل يمكن الترخيص بتعارض المصالح؟
نعم، فوجود مصلحة لا يعني في جميع الحالات أن العقد أصبح ممنوعًا بصورة مطلقة.
فنظام الشركات يسمح، وفق الضوابط والإجراءات المحددة، بالترخيص لبعض الأعمال والعقود التي توجد فيها مصلحة مباشرة أو غير مباشرة لمدير الشركة أو عضو مجلس إدارتها.
وتختلف الجهة التي تملك صلاحية الترخيص بحسب شكل الشركة وآلية إدارتها والجهة المخولة بذلك وفق النظام وعقد التأسيس أو النظام الأساس.
ولهذا يجب تحديد الجهة المختصة بالترخيص قبل إتمام المعاملة، وعدم افتراض أن موافقة مدير آخر أو شريك واحد تكفي في جميع الحالات.
هل يستطيع عضو مجلس الإدارة التصويت على العقد الذي له مصلحة فيه؟
من أهم الضمانات المرتبطة بتعارض المصالح الحد من مشاركة صاحب المصلحة في القرار بالطريقة التي قد تؤثر في استقلالية الموافقة.
وبالنسبة للشركات المساهمة، تتضمن الأحكام المنظمة لتعارض المصالح ضوابط تمنع عضو مجلس الإدارة من التصويت على بعض القرارات المتعلقة بالأعمال والعقود التي تكون له فيها مصلحة مباشرة أو غير مباشرة، وفق الحالات والضوابط النظامية. كما تتضمن الأحكام المنظمة للشركات المدرجة متطلبات خاصة في هذا الشأن.
لذلك لا يكفي الإفصاح عن وجود المصلحة فقط، بل يجب التأكد من تطبيق قواعد التصويت والترخيص وعدم مشاركة صاحب المصلحة في القرار عندما يحظر النظام ذلك.
تعارض المصالح والمنافسة مع الشركة
لم يحصر نظام الشركات المسألة في العقود التي تحقق منفعة مالية مباشرة، بل نظم أيضًا حالة منافسة المدير أو عضو مجلس الإدارة للشركة.
فلا يجوز للمدير أو عضو مجلس الإدارة أن يشترك في عمل من شأنه منافسة الشركة أو ينافسها في أحد فروع النشاط الذي تمارسه، إلا وفق الترخيص الذي يسمح به النظام.
وتظهر أهمية هذا الحكم بصورة خاصة في الشركات التي يعمل فيها المدير أو عضو مجلس الإدارة في أكثر من نشاط تجاري.
فإذا كان المسؤول يمتلك مشروعًا أو يشارك في شركة أخرى تمارس النشاط نفسه، فقد تنشأ مسألة تعارض مصالح تحتاج إلى دراسة قانونية قبل اتخاذ أي إجراء.
استغلال أصول الشركة أو معلوماتها
من أخطر صور تعارض المصالح استخدام أصول الشركة أو معلوماتها لتحقيق منفعة شخصية.
وقد حظر نظام الشركات على مدير الشركة أو عضو مجلس إدارتها استغلال أصول الشركة أو معلوماتها أو الفرص الاستثمارية المعروضة عليه بصفته مديرًا أو عضوًا في مجلس الإدارة أو المعروضة على الشركة، لتحقيق مصلحة له بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويشمل مفهوم أصول الشركة أكثر من الأموال النقدية؛ فقد يتعلق الأمر بممتلكات أو بيانات أو معلومات تجارية أو فرص استثمارية أو موارد أخرى تملكها الشركة.
ولهذا ينبغي أن تكون لدى الشركات سياسات واضحة بشأن استخدام المعلومات والأصول والفرص التجارية، خصوصًا في الشركات التي تعتمد على معلومات تجارية حساسة أو علاقات استثمارية واسعة.
ما المسؤولية القانونية عند مخالفة أحكام تعارض المصالح؟
تختلف الآثار القانونية بحسب طبيعة التصرف والمخالفة والكيان القانوني والضرر الناتج عنها.
وقد منح نظام الشركات الشركة حق المطالبة أمام الجهة القضائية المختصة بإبطال العقد في بعض حالات مخالفة أحكام المصلحة، والمطالبة بإلزام المسؤول بأداء أي ربح أو منفعة تحققت له من ذلك. كما قد يكون للشركة حق المطالبة بالتعويض في حالات أخرى، ومنها مخالفة الأحكام المتعلقة بالمنافسة.
وهذا يوضح أن تعارض المصالح ليس مجرد مسألة إدارية داخلية، بل قد يتحول إلى نزاع قضائي إذا ترتب عليه إضرار بالشركة أو تحقيق منفعة غير مشروعة.
كما أوضحت وزارة التجارة أن استغلال الأموال والسلطات ضد مصالح الشركة لتحقيق منفعة مباشرة أو غير مباشرة، أو لمحاباة شخص أو شركة أخرى، من المخالفات والجرائم التي قد يقع فيها رئيس مجلس الإدارة أو عضو المجلس أو مدير الشركة بحسب الحالة.
أمثلة عملية على تعارض المصالح في الشركات
لفهم المسألة بصورة أكثر وضوحًا، يمكن تصور عدد من الحالات العملية:
تعاقد الشركة مع شركة يملكها المدير:
إذا كانت الشركة بحاجة إلى خدمة معينة وكان المدير يملك أو يشارك في الشركة التي ستقدم الخدمة، فيجب دراسة المصلحة والإفصاح عنها وتطبيق إجراءات الترخيص المطلوبة.
شراء أصل من أحد أعضاء مجلس الإدارة:
إذا كانت الشركة ترغب في شراء عقار أو أصل مملوك لأحد أعضاء مجلس إدارتها، فإن وجود المصلحة يستوجب التعامل معها وفق أحكام تعارض المصالح.
إحالة فرصة استثمارية إلى شركة شخصية:
إذا وصلت إلى المدير فرصة استثمارية بسبب منصبه في الشركة، فلا يجوز له ببساطة تحويلها إلى نشاطه الشخصي متجاهلًا مصلحة الشركة.
استخدام معلومات الشركة لمصلحة منافس:
استخدام المعلومات التجارية التي حصل عليها المسؤول بحكم منصبه لمصلحة مشروع منافس قد يثير مسؤوليات قانونية متعددة.
كيف يمكن للشركة الوقاية من تعارض المصالح؟
تبدأ الوقاية من وضع إجراءات داخلية واضحة، وليس من انتظار وقوع المشكلة.
ومن المفيد أن تعتمد الشركة سياسة مكتوبة لتعارض المصالح توضح الحالات التي يجب الإفصاح عنها، والإجراءات الواجب اتباعها، والجهة المختصة بالترخيص، وطريقة توثيق القرارات.
كما ينبغي أن تتضمن اجتماعات مجلس الإدارة والجمعيات والقرارات ذات الصلة آلية واضحة للتعامل مع العضو أو المدير الذي لديه مصلحة في الموضوع محل القرار.
ومن المهم أيضًا الاحتفاظ بمستندات الإفصاح والموافقات والتراخيص؛ لأنها قد تكون ذات أهمية كبيرة إذا نشأ نزاع في المستقبل.
دور عقد التأسيس والنظام الأساس في تنظيم المصالح
لا ينبغي النظر إلى نظام الشركات باعتباره الوثيقة الوحيدة التي تحكم الشركة.
فقد يتضمن عقد التأسيس أو النظام الأساس أحكامًا تنظيمية إضافية ضمن الحدود التي يسمح بها النظام، ولذلك يجب مراجعة هذه الوثائق عند ظهور حالة تعارض مصالح.
كما ينبغي أن تكون صلاحيات المديرين ومجلس الإدارة واضحة، وأن يعرف كل مسؤول حدود سلطته في إبرام العقود واتخاذ القرارات.
وتزداد أهمية هذه المراجعة في الشركات التي تضم عدة شركاء أو مساهمين، أو التي تتعامل مع أطراف مرتبطة بصورة متكررة.
تعارض المصالح في الشركات العائلية
قد تكون احتمالية تعارض المصالح أكثر حساسية في بعض الشركات العائلية بسبب تداخل الملكية والإدارة والعلاقات العائلية.
فقد يكون الشخص في الوقت نفسه شريكًا ومديرًا وقريبًا لشريك آخر أو مالكًا لنشاط تجاري يتعامل مع الشركة.
وهذا لا يعني أن هذه العلاقات ممنوعة، وإنما يعني أن الشركة تحتاج إلى مستوى أعلى من التنظيم والشفافية في التعامل مع المصالح المتداخلة.
ويمكن أن تساعد الحوكمة الداخلية واللوائح والسياسات المكتوبة والاتفاقات المناسبة على تقليل الخلافات المستقبلية بين أفراد العائلة والشركاء.
لماذا تحتاج الشركة إلى محامي متخصص في تعارض المصالح؟
قد تبدو بعض الحالات بسيطة من الناحية التجارية، لكنها تحمل آثارًا قانونية تحتاج إلى تحليل دقيق.
فالسؤال ليس فقط: هل توجد مصلحة؟ بل يجب تحديد طبيعة المصلحة، ومن يملك صلاحية الترخيص، وما إذا كان الشخص يستطيع التصويت، وما إذا كان العقد يحتاج إلى إجراءات خاصة، وما الآثار المترتبة على عدم الإفصاح.
ولهذا يمكن أن تساعد الاستعانة بـ محامي شركات في السعودية في مراجعة الحالة قبل إبرام العقد أو اتخاذ القرار، بدل الانتظار حتى تظهر المشكلة بعد تنفيذ المعاملة.
كما يستطيع المحامي مراجعة المستندات ذات العلاقة، وتحديد الإجراء النظامي المناسب، وصياغة الإفصاح أو التوصية القانونية، ومساعدة الشركة في توثيق القرار.
تعارض المصالح ليس مجرد مشكلة يجب علاجها بعد وقوعها
التعامل السليم مع تعارض المصالح يبدأ قبل إبرام العقد أو اتخاذ القرار، من خلال الإفصاح المبكر، وتحديد المصلحة، ومراجعة الضوابط النظامية، والحصول على الترخيص عند الحاجة، وتوثيق الإجراءات والقرارات.
كما أن تطبيق هذه الإجراءات لا يحمي الشركة فقط من النزاعات، بل يساعد على تعزيز الثقة بين الشركاء والمساهمين والإدارة، ويدعم الحوكمة والشفافية داخل الشركة.
ومع استمرار تطبيق نظام الشركات السعودي ولائحته التنفيذية، وتوفر نماذج استرشادية حديثة من وزارة التجارة لتعارض المصالح بحسب شكل الشركة، أصبح من المهم أن تتعامل الشركات مع هذه المسائل بصورة منظمة بدل الاعتماد على الاجتهادات الشخصية


